عدي وعمار ... قتلا ناصر السيك
سليمان الفهد
كاتب وسياسي عراقي
إن الشعب العراقي وبسبب ما لاقاه ويلاقيه أصبح يلعن ذلك اليوم الذي خرج فيه النفط بأرضه ليدع مجالا لصدام يفعل ما يريد . حيث أن هذا الطاغية جر شعبه من مصيبة إلى أخرى . ومن حرب إلى أخرى . منذ أن تولى مقاليد السلطة عام 1979 . كما أصبح لدى الشعب أيضا قناعة بأن هذا الرجل ما هو إلا دكتاتور مستبد ومغرور يعشق الحكم القهري وبعيد كل البعد عن الوطنية . فلا هو بالقومي ولا بالقائد المؤمن كما يدعي وإنما اتخذ من هذا كلمة ستارا له ولأزلامه لتحقيق مآربه الشخصية الجشعة ولإشباع تلك النزوات المريضة . وتلك القناعة عائدة إلى كون كل ما قام به صدام لا يخدم مصلحة الشعب العراقي ولا الأمة العربية ولا الأمة الإسلامية . وإنما ما قام به من حركات استعراضية كقوله – مبررا غزو الكويت - إن النفط العربي للعرب . وضربه لإسرائيل ما هو إلا وسيلة لاستدراج تعاطف الشعوب العربية والإسلامية معه . ليحقق أهدافه الشخصية البعيدة كل البعد عما تصبو إليه الأمة العربية والإسلامية . ولو كان جادا ويملك الإرادة القتالية لتوجه نحو فلسطين ليقاتل . لاْن الطريق إلى القدس واضح ولا يمر عبر إيران والكويت وتجويع الشعب العراقي وقهره وإذلاله من خلال تلك التصرفات الرعناء .
كان الرأي العام في العراق ينظر إلى تطبيق قرار الأمم المتحدة ( النفط مقابل الغذاء ) بعين التفاؤل لعله يخفف قليلا من مأساته . إلا انه على يقين إن الوضع المأساوي هو صنيعة النظام . وبذلك فتطلعه الحقيقي هو إلى ذلك اليوم الذي ينتفض ويخرج من بين مطرقة صدام وسندان الحصار الذي تفرضه الأمم المتحدة . لاْن الشعب عاش حالة يرثى لها وهي اقرب إلى الاحتضار , على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية .
أن اتفاق الأمم المتحدة مع النظام العراقي آنذاك لتصدير نفطه خارج العراق مقابل غذاء الشعب ودوائه جاء مجحفا حقا بحق هذا الشعب من كلا الطرفين فالمستفيد الأول هم تجار تلك الدول التي فرضتها الأمم المتحدة من كل أصقاع الأرض وخضعت لمقاييس وشروط كشفت الأيام أن وزراء وشركات دول كبرى شاركت بالسرقة والاحتيال والالتفاف على القانون اعتبارا من بن كوفي عنان وانتهاء بنواب بريطانيين وأمريكيين وفرنسيين وألمان ومرتزقة عرب مما هب ودب ... هذا من جانب, أما المستفيد الثاني هو صدام وزبانيته , حيث لا يتم توقيع أي عقد نفطي إلا بشروط .
وبمعنى آخر تقاسم القائد الضرورة وعائلته آبار النفط العراقية . الجزء الأكبر يصب في صالحه وآخر في حساب زوجته وبناته وأولاده . فكثر السماسرة في كل الاتجاهات وكانت نقطة انطلاقتهم عمان طبعا الحليف الاستراتيجي لصدام في نهب خيرات العراق .
أكثر الناشطين في هذا المجال رجال عدي الابن الأكبر لجرذ ألعوجه حيث نشر عملائه في كل أصقاع المعمورة لبيع العقود من حصته ( الجماعة قسموا النفط العراقي بين العائلة ) وكان يشترط السمسار في حال توقيع العقد أن يصرف ما قيمته عشرة بالمائة من سعر البرميل الواحد لصالحه ويدفع المبلغ مقدما بشيك لأحد البنوك الأردنية أو اللبنانية وأحيانا الخليجية التي يحددوها عملاء عدي , وأحيانا يطلب الأستاذ مع العقد سيارة وفق مواصفاته التي يرتأى . وتتم العقود هكذا رغم علم الأمم المتحدة هكذا تزوير ولكنها لم تفعل شيئا وغضت الطرف عن تلك الاختراقات . وقد اثبت الواقع المرير هذا بعد سقوط النظام الفاشي عندما انتشرت الوثائق التي خلفها النظام في أسواق العراق وحتى عند الباعة المتجولين .
المفروض أن تدخل للعراق مقابل هذا النفط مواد غذائية وطبية . لكن كان ترف العائلة المالكة للعراق , تذبح الشعب من الوريد إلى الوريد . فلا غذاء منظم ولا دواء يصلح للاستخدام . فدفع الشعب العراقي موتا , آلاف الأطفال والنساء والرجال ولأسباب متعددة . ومنها قصة صاحبنا ناصر السيك الذي هو بحاجه إلى الدواء المستمر لإصابته بمرض مزمن وبدون تواجد هذا الدواء فأن حياته حقا في خطر . ينقل ناصر قائلا : عانيت الأمرين أيام الحصار بحثا عن الدواء الخاص لمرضي . ولكن قضية النفط مقابل الغذاء كانت تشغل فكري دائما وأخاف الحديث مع المسؤلين حول الأمر , خوفا من عقوبة السجن أو الإعدام . يوما قررت الذهاب إلى بغداد لمقابلة عدي حول الموضوع وجهزت نفسي باكرا وأخذت احد العلب الفارغة من دوائي عسى أن يلبى طلبي . أو على الأقل أجد أذنا صاغية لمشكلتي . وقبل الوصول بوابة بن القائد الضرورة اعتقلوني شهرا جلاوزته . لمجرد حديثي عن الدواء الذي لم احصل عليه بالكاد . إلا من خارج العراق والتوصية مع المسافرين إلى عمان . صبر الرجل طيلة تلك السنين حيث لا حول ولا قوة . وكان يتدبر الأمر بشتى الطرق والوسائل حتى باع آخر ما يملك من أثاث بيته .
ناصر استبشر خيرا يوم سقوط الطاغية ووزع الحلوى على أبناء مدينته – جاء الفرج – جاء الدواء – هكذا كان يحلم , وبعد مراجعات مضنية للمحافظة والمسؤلين اصطدم ناصر بنفس المشكلة ( تيتي تيتي مثل ما رحتي اجيتي ) ولكن هذه المرة دون السجن فحمد الله وشكرته . التقيته يوما بعد السقوط .. أين أنت يا ناصر من هذه الحياة ؟ قال : أريد الدواء وإلا انتهت حياتي خلال شهر . وعدته خيرا أن اجلب الدواء له حال مغادرتي العراق . قال : لن انتظر طويلا هذه المرة انه الموت المحقق ... ذهب إلى محافظ الناصرية الحالي وحمل علبة دواءه الفارغة . لكن هذه المرة عبأها نفطا ابيض بدون ذكر الأسباب .. التقى محافظ الناصرية ووضع على طاولته علبة الدواء . قال المحافظ : ما هذه العلبة يا ناصر وما هي مشكلتك ؟ ناصر : الم تقولوا أن النفط مقابل الدواء فانا أعطيكم حصتي من النفط مقابل دوائي يا سيادة المحافظ وهذه حصتي . اخرجوا ناصر من الدائرة ( بالدفرات ) واعتبروه استهزاءا بالمحافظ أو قد يكون الرجل أصيب بجنه .
نحن الآن نعيش عصرا جديدا غير عصر الطاغية ويجب توفير الدواء للمواطن بأي ثمن . لكننا نجد بين الحين والآخر فضيحة هنا وهناك . أن دعاة الدفاع عن المستضعفين هم قيادة هذا الشفط واللفط لنفط الشعب في أيامنا هذه . وآخر فضيحة حرق وزارة النفط أعطتنا دلائل كثيرة لهذا العمل . وصيحات هيئة النزاهة إذا كانت نزيهة حقا . وغيرها تدل بأن السراق كثروا بقدرة قادر هذه الأيام ولم تكن أبدا مقتصرة على العائلة الصدامية آنذاك . لكنها هذه المرة تجاوزتها بكثير . فالوثيقة الفضيحة لعمار الحكيم التي خرجت للساحة منذ أيام هي اكبر دليا على التواطيء بسرقة قوت الشعب . وإلا ما تفسير عمار للمليارات التي تدر عليه يوميا ليدفعها لمكاتب أنصاره المنتشرة في عموم العراق . هل جاء بها من إيران ؟ أم كانت ورثة العائلة ؟ سؤال محير لا يهدينا إلا لوثائق النفط التي تدر عليه هكذا أموال .
فما أشبه اليوم بالبارحة .
نناشد عمار برحمة ناصر وأمثاله ولا نناشد وزير النفط أو الحكومة أبدا . لأنه لا توجد حكومة أصلا . وليس صدقة منه على الرجل , وإنما من حصته في النفط ليس إلا .. لكن آه لمن أرسل خطابي . وانأ اكتب مقالتي .. رن هاتف جوالي بإيقاف الكتابة . لماذا ؟ أن ناصر السيك قد توفى وأرسلوه جثة هامدة إلى النجف لعدم استطاعته الحصول على الدواء مقابل حصته من النفط ... فتبا لتلك الأيادي التي سرقت حصة ناصر من نفطه في عصر لا رحمة للفقراء والمستضعفين فيه .
فكأني أرى ناصر السيك , حاملا علبة دواءه , مليئة بالنفط ليحاسب كل سراق نفطه يوم ألقيامه عند حسيب مقتدر .. رحم الله ناصر السيك شهيد النفط مقابل الدواء ولعن الله الظالمين إلى يوم يبعثون .

bravenet.com