7 - وجهات نظر
لنتأمل هذا الموضوع بالرجوع الى رواية ليون نمار فيلد " علاقة اولياد هاريس الغريبة " . فأنت تتذكر ان الصفحتين الاوليتين من القصة قد رويت من خلال عين المعلم السيد بريت , واننا وقفنا في بقية الفصل الاول في موقف الولدين ونظرنا الى الاحداث من خلال وجهة نظرهما حين قام هذان الولدان بوستوك وهاريس بأختطاف الطفلة وتركها بين التلال.
اين ذهب الروائي بعد ذلك ؟ ما مشهده التالي؟ من اي عين رأى الفعل اللاحق ؟
الاجابة تكمن في الفصل الثاني من الرواية حين نرى ماذا يحدث من وجهة نظر " تزي الكساندر " و ابنة استاذ الرياضيات في اكاديمية الدكتور بونيون . لقد كانت تزي واقعة في حب رالف بونيون , ابن مدير الاكاديمية . فرالف " لاعب تنس وبطل المدرسة " . كانت تزي خارجة في نزهة مع رالف . وهي لم تتق لشيء مثلما تتوق لتقبيله . وقرر رالف ان يفعل ذلك وقبلها فعلا " فأنه يريد ان يعلمها ما معنى ان تكون خارجة مع رالف بونيون . " رمى بنفسه على تزي , منتويا ان يحضنها ولكن :
" في تلك اللحظة رأت تزي شيئا غريبا و رأت طفلة صغيرة مستلقية لوحدها , نائمة على العشب . صرخت تزي : ( ليحفظنا الله ! انها طفلة ) واندفعت لالتقاطها . "
ثم نهضت بسرعة . مايزال رالف بونيون يضحك بوحشية , مندفعا عبر المنحدر قبل ان يسقط ويضرب الارض بوجهه . اطلق صيحة الم حادة عالية , ولكن تزي التمسته بسرعة ان يصمت اذ ان الطفلة نائمة .
كان الولدان بوستوك وهاريس في مخبئيهما , لا يحولان بصرهما عن الطفلة . ان الاثنين مستغربان وفي الوقت نفسه مصابان بحيرة كبيرة بسبب ما اقدما عليه . يرى الاثنان تزي وهي تلتقط الطفلة بحنان . تأخذ تزي ورالف بونيون ( الذي احمر انفه من الالم ) الطفلة ويعودان بها الى الاكاديمية .
بعد هذا المشهد , نعود لحظات ونرى الفعل القصصي من خلال عيني السيد بريت . يلي هذا المشهد مشهد اخر لا أظن اننا قادرون على تقرير مسألة اي عين من اعين الشخصيات تنظر الى الفعل وفي الواقع و اننا نراقب هذا الفعل , كما اظن من خلال عيني المؤلف .
ميجر الكساندر ( معلم الرياضيات ووالد تزي ) يقف وجها لوجه امام رئيسه الدكتور بونيون . والاثنان هما في مواجهة تزي ورالف والطفلة . كانت احداث القصة تجري في القرن الثامن عشر . لذا فقد ارتعب والد تزي حين سمع بأن ابنته كانت خارجة بنزهة الى التلال برفقة رالف بونيون . وصرخ قائلا : " المبارزة " .
" واطبق صمت رهيب على الغرفة . وتأزم الموقف . الدكتور بونيون يرمق ابنه . وبدا عليه انه يرى ثقوب طلقات وهمية في صدره . وهمس ( يا الهي .... اتصر على المبارزة . ) "
وصرخ الدكتور بونيون : " بالله , الا يسعنا الانتهاء من هذه المشكلة ؟ " . ويرد عليه ميجر الكساندر بلهفة قائلا : " بلى " .
نحن في الصفحة السابعة والعشرين من الرواية , ونقف على حافة تعقيدلت رهيبة . وفي خلال المائة والخمسين صفحة القادمة يرينا المؤلف الفعل من خلال عيني شخصية ومن ثم من خلال عيني شخصية اخرى , واحيانا من خلال عينيه هو .
النقطة الرئيسة هي ان معظم الروايات قد كتبت بهذه الطريقة : رؤية الفعل من وجهة نظر واحد , ومن ثم من خلال وجهة نظر شخص اخر .
فكر بأية قصة طويلة تريد ان ترويها لنفسك . كيف سترويها ؟ من وجهة نظر من ؟ اين ستكون انت , المؤلف ؟ هل ستكون في المقدمة ترتب كل شيء ؟ وهل ستختفي بفطنة وراء المشاهد القصصية ؟
انها مشكلة اخرى بالنسبة للروائي : من وجهة نظر من عليه ان يروي قصته ؟
لنتأمل هذا الموضوع بالرجوع الى رواية ليون نمار فيلد " علاقة اولياد هاريس الغريبة " . فأنت تتذكر ان الصفحتين الاوليتين من القصة قد رويت من خلال عين المعلم السيد بريت , واننا وقفنا في بقية الفصل الاول في موقف الولدين ونظرنا الى الاحداث من خلال وجهة نظرهما حين قام هذان الولدان بوستوك وهاريس بأختطاف الطفلة وتركها بين التلال.
اين ذهب الروائي بعد ذلك ؟ ما مشهده التالي؟ من اي عين رأى الفعل اللاحق ؟
الاجابة تكمن في الفصل الثاني من الرواية حين نرى ماذا يحدث من وجهة نظر " تزي الكساندر " و ابنة استاذ الرياضيات في اكاديمية الدكتور بونيون . لقد كانت تزي واقعة في حب رالف بونيون , ابن مدير الاكاديمية . فرالف " لاعب تنس وبطل المدرسة " . كانت تزي خارجة في نزهة مع رالف . وهي لم تتق لشيء مثلما تتوق لتقبيله . وقرر رالف ان يفعل ذلك وقبلها فعلا " فأنه يريد ان يعلمها ما معنى ان تكون خارجة مع رالف بونيون . " رمى بنفسه على تزي , منتويا ان يحضنها ولكن :
" في تلك اللحظة رأت تزي شيئا غريبا و رأت طفلة صغيرة مستلقية لوحدها , نائمة على العشب . صرخت تزي : ( ليحفظنا الله ! انها طفلة ) واندفعت لالتقاطها . "
ثم نهضت بسرعة . مايزال رالف بونيون يضحك بوحشية , مندفعا عبر المنحدر قبل ان يسقط ويضرب الارض بوجهه . اطلق صيحة الم حادة عالية , ولكن تزي التمسته بسرعة ان يصمت اذ ان الطفلة نائمة .
كان الولدان بوستوك وهاريس في مخبئيهما , لا يحولان بصرهما عن الطفلة . ان الاثنين مستغربان وفي الوقت نفسه مصابان بحيرة كبيرة بسبب ما اقدما عليه . يرى الاثنان تزي وهي تلتقط الطفلة بحنان . تأخذ تزي ورالف بونيون ( الذي احمر انفه من الالم ) الطفلة ويعودان بها الى الاكاديمية .
بعد هذا المشهد , نعود لحظات ونرى الفعل القصصي من خلال عيني السيد بريت . يلي هذا المشهد مشهد اخر لا أظن اننا قادرون على تقرير مسألة اي عين من اعين الشخصيات تنظر الى الفعل وفي الواقع و اننا نراقب هذا الفعل , كما اظن من خلال عيني المؤلف .
ميجر الكساندر ( معلم الرياضيات ووالد تزي ) يقف وجها لوجه امام رئيسه الدكتور بونيون . والاثنان هما في مواجهة تزي ورالف والطفلة . كانت احداث القصة تجري في القرن الثامن عشر . لذا فقد ارتعب والد تزي حين سمع بأن ابنته كانت خارجة بنزهة الى التلال برفقة رالف بونيون . وصرخ قائلا : " المبارزة " .
" واطبق صمت رهيب على الغرفة . وتأزم الموقف . الدكتور بونيون يرمق ابنه . وبدا عليه انه يرى ثقوب طلقات وهمية في صدره . وهمس ( يا الهي .... اتصر على المبارزة . ) "
وصرخ الدكتور بونيون : " بالله , الا يسعنا الانتهاء من هذه المشكلة ؟ " . ويرد عليه ميجر الكساندر بلهفة قائلا : " بلى " .
نحن في الصفحة السابعة والعشرين من الرواية , ونقف على حافة تعقيدلت رهيبة . وفي خلال المائة والخمسين صفحة القادمة يرينا المؤلف الفعل من خلال عيني شخصية ومن ثم من خلال عيني شخصية اخرى , واحيانا من خلال عينيه هو .
النقطة الرئيسة هي ان معظم الروايات قد كتبت بهذه الطريقة : رؤية الفعل من وجهة نظر واحد , ومن ثم من خلال وجهة نظر شخص اخر .
فكر بأية قصة طويلة تريد ان ترويها لنفسك . كيف سترويها ؟ من وجهة نظر من ؟ اين ستكون انت , المؤلف ؟ هل ستكون في المقدمة ترتب كل شيء ؟ وهل ستختفي بفطنة وراء المشاهد القصصية ؟
انها مشكلة اخرى بالنسبة للروائي : من وجهة نظر من عليه ان يروي قصته ؟
8 -الروائي اثناء العمل :
1. الخامس من كانون الثاني 1910 . هذا الصباح وفي العاشرة الا ربعا , بدأت في كتابة روايتي شعرت انني اقل انفعالا ووعيا ذاتيا . نشدت الراحة قليلا . وفي الواحدة والنصف كتبت الف كلمة
وهي بداية طيبة بالنسبة لليوم الاول ....
" مذكرات أرنولد بينيت "
2 . انهض بابتهال كل صباح . اجلس لمدة ثماني ساعات يوميا . والجلوس هو كل شيء . وفي خلال يوم العمل لمدة ثماني ساعات , كتبت ثلاث جمل شطبت عليها قبل ان اغادر المنضدة .
" جوزيف كونراد "
3 . حين اشتغل في رواية او قصة , اكتبها كل صباح قبل بزوغ الشمس ما استطعت الى ذلك . فليس هناك من يزعجك . الجو دافيء او بارد , تنكب على عملك وتدفيء نفسك في اثناء الكتابة . تقراء ما تكتبه , وتتوقف لتعرف ماذا سيجري بعد . وتنطلق من هناك . تكتب حتى تصل الى مكان لتعرف ماذا سيحدث بعد . تتوقف وتحاول ان تعيش حتى اليوم التالي حين تمسك الفكرة ثانية . تبدأ في السادسة صباحا وقد تستمر حتى الظهيرة او تتعب قبل ذلك . وحين تتوقف تكون خاويا وفي الوقت نفسه لست خاويا بل ممتلئا ...
" ارنست هيمنغواي "
الخامس والعشرون من مايس 1910 . انه لما يبعث على الغرابة ... ذلك انني قد ظننت قبل اسبوعين في ( برايتون ) ان من الممكن انجاز الفصل الثاني هناك . لقد كتبت فقط الفي كلمة من سلسلة المشاهد المهمة , مشاهد الحب . على العموم . اظن ان ذلك جيد . كتبت البارحة ثلاثة الاف ومائتي كلمة , وكدت اقتل نفسي , وعليه كنت مكتئبا في الليل . ذهبت هذا الصباح في نزهة طويلة . وكتبت الف كلمة في ساعة القيلولة .
" مذكرات أرنولد بينيت "
" جوزيف كونراد "
" ارنست هيمنغواي "
اعتاد أرنولد بينيت القيام بشيء اجده محيرا . فهو يذهب في نزهة وفي اثناء ذلك يضع الفصل الثاني لروايته في رأسه . ثم يقفل راجعا الى البيت ويسطر على الورق كلمة كلمة من الذاكرة دون ان يحتاج الى شطب شيء . واذا اردت التحقق من ذلك فبامكانك النظر الى مخطوطات بعض رواياته في المتحف البريطاني .
وهناك روائي جيد جدا اعتاد ان يكتب رواياته في اوراق منفصلة , ومن ثم لم يجمعها سوية , هذه الوريقات قد تشكل مشهدا واحدا او فصلا واحدا او وصفا لشخصية , ويظعها في مظروف مستقل . وبعد فترة من الزمن يجمع محتويات كل هذه المظروفات سوية فتكون الرواية .
بالطبع , هذا وصف مبسط لما يفعله هذا الروائي . ولكن , في الواقع , ليس هناك مقياس معين يعمل الروائيون بموجبه . فقد اعتاد كاتب ما ( وهو مشهور جدا ) ان يكدس اوراق روايته المكتوبة بالالة الطابعة ويضعها في صندوق خاص بعد ذلك يأخذها محرر في دار نشر , ينسق هذه الاوراق لتكون رواية .
ان الكاتب البلجيكي سيمنون ربما يمتلك من اكثر عادات الكتابة غرابة , فحين يريد ان يكتب رواية من رواياته ( وقد كتب عشرات منها ) , يغلق الباب على نفسه , وينتظره على مائدته الكثير من اقلام الرصاص . لا احد يراه او يتحدث اليه , حتى وجبات طعامه توضع عند باب غرفته . يستمر في كتابة الرواية اياما عديدة يخصصها لهذا الغرض . واذا فشل في اكمال روايته ضمن هذا العدد من الايام يمزق اوراقه ويغادر غرفته .
أيوحي هذا بأن الروائيين اناس غريبو الاطوار ؟ انهم كفئة ليسوا اكثر غرابة من الاخرين . ولكن عادات عملهم قد تبدوا غريبة قليلا لسببين : الاول ان الكتابة تتطلب تركيزا , واذا خانك التركيز فستجد الرواية تنتهي نهاية ميته . السبب الثاني : يكمن في الطريقة التي يعمل بها الروائي وهي ان الروائي يعمل لوحده , فهو لا يعمل في مكتب او ورشة او مع اناس اخرين .
يتبع في الصفحة الخامسة

bravenet.com